تحليل كرة القدم
كرة القدم بعين أخرى | الحلقة الثانية
من سلسلة قراءتي في كتاب «قراصنة كرة القدم».
الحلقة الثانية: فاز… إذن كان على حق؟
كيف تخدعنا النتيجة عند الحكم على كرة القدم
صفوان عميرة · ٥ أكتوبر ٢٠٢٦
اقرأ الحلقة الأولى: هل نعرف فعلاً ما نراه في كرة القدم؟
هناك جملة نسمعها كثيراً بعد المباريات:
«المهم النتيجة.»
قد تكون صحيحة عندما نتحدث عن جدول الدوري، لكنها تصبح خطيرة عندما نستخدم النتيجة وحدها للحكم على جودة لاعب، أو مدرب، أو قرار.
بعد المباراة يصبح كل شيء سهلاً.
لو بدأ بهذا اللاعب لفاز.
لو أجرى التبديل قبل عشر دقائق لتغيرت المباراة.
المهاجم أضاع فرصة «لا تُهدر».
والمدرب أخطأ لأنه اختار هذه الخطة.
لكننا نمتلك بعد المباراة معلومة لم يكن يملكها أحد قبلها:
نحن نعرف ماذا حدث.
وهنا يبدأ أحد أكثر الانحيازات المعرفية تأثيراً في كرة القدم: انحياز النتيجة.
نحن نميل إلى تقييم القرار من خلال ما انتهى إليه، بدلاً من تقييمه بناءً على المعلومات والاحتمالات المتاحة لحظة اتخاذه.
إذا فاز الفريق، نبحث في قرارات المدرب عن أسباب الفوز. وإذا خسر، نعود إلى القرارات نفسها بحثاً عن الأخطاء.
لكن هل النتيجة الجيدة تعني بالضرورة أن القرار كان جيداً؟
بالطبع لا.
تخيل مهاجماً حصل في الدقيقة الأخيرة على فرصة ممتازة وسدد في القائم. هل يصبح القرار الذي صنع تلك الفرصة سيئاً لأن الكرة ارتدت؟
ولو اصطدمت الكرة بالقائم نفسه ثم دخلت، هل يصبح القرار فجأة عبقرياً؟
لم يتغير القرار.
لم تتغير الفرصة.
تغيرت النتيجة فقط.
وهذه المسافة بين جودة الأداء والنتيجة النهائية هي واحدة من أهم الأفكار التي يناقشها كريستوف بيرمان في كتاب «قراصنة كرة القدم».
بوروسيا دورتموند… عندما كذب جدول الدوري
في موسم ٢٠١٤-٢٠١٥ حدث شيء مثير مع بوروسيا دورتموند بقيادة يورغن كلوب.
الفريق الذي اعتاد المنافسة على القمة وجد نفسه في النصف الأول من الموسم قريباً من قاع الدوري الألماني.
لو نظرنا إلى جدول الترتيب فقط، فالاستنتاج يبدو واضحاً:
دورتموند أصبح فريقاً سيئاً.
لكن محلل البيانات كولين ترينور رأى شيئاً آخر.
عندما درس المباريات من خلال جودة الفرص التي صنعها الفريق والفرص التي سمح بها لمنافسيه، وجد أن نتائج دورتموند كانت أسوأ بكثير مما توحي به طريقة لعبه.
بمعنى أبسط:
الأداء لم يكن سيئاً بالدرجة التي قالتها النتائج.
بل توقع ترينور أن تتحسن النتائج حتى لو لم يتحسن أداء الفريق كثيراً.
وهذا ما حدث بالفعل.
وهنا تظهر مشكلة أساسية في الطريقة التي نتحدث بها عن كرة القدم:
نحن نرى النتيجة، لكننا لا نرى دائماً احتمالات النتيجة.
كرة القدم ليست معادلة حتمية
من أسهل الجمل التي نقولها عن المهاجم:
«كان يجب أن يسجلها.»
لكن ماذا تعني كلمة «يجب»؟
حتى ركلة الجزاء، وهي من أوضح فرص التسجيل في كرة القدم، ليست هدفاً مضموناً.
في البيانات التي يعرضها بيرمان عن الدوري الإنجليزي، سُجلت ٨٧٦ ركلة جزاء من أصل ١٠٧٩ محاولة، أي ما يقارب ٧٧٪.
بمعنى أن الفرصة التي نتعامل معها أحياناً وكأن تسجيلها أمر محسوم، لم تتحول إلى هدف في نحو ربع الحالات.
وكلما ابتعدنا عن ركلات الجزاء، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً.
مكان التسديدة، زاويتها، طريقة صناعة الفرصة، عدد المدافعين، نوع الهجمة، وطريقة التسديد… كلها عوامل تغير احتمال التسجيل.
ومن هنا ظهرت فكرة الأهداف المتوقعة: محاولة لمنح الفرصة قيمة احتمالية بدلاً من التعامل معها فقط باعتبارها هدفاً أو فرصة ضائعة.
لكن ما يهمني هنا ليس الرقم نفسه بقدر ما تهمني الفكرة التي تقف خلفه:
في كرة القدم، يمكن أن تفعل أشياء كثيرة بشكل صحيح… ولا تسجل.
ويمكن أن تفعل أشياء كثيرة بشكل خاطئ… وتفوز.
حتى النجم لا يهزم الاحتمالات دائماً
يعرض بيرمان مثالاً مثيراً يتعلق بكريستيانو رونالدو.
قد نتوقع أن الفارق بين لاعب استثنائي مثله وبين بقية اللاعبين يكمن أساساً في قدرته الخارقة على تحويل التسديدات إلى أهداف.
لكن الأرقام التي يناقشها الكتاب تقدم زاوية مختلفة.
في تحليل لـ١٤٩٠ تسديدة لرونالدو مع ريال مدريد بين عامي ٢٠١٠ و٢٠١٧، باستثناء ركلات الجزاء، تحولت ١٣٫٣٪ من تسديداته إلى أهداف، مقارنة بمتوسط للدوري بلغ ١١٫١٪.
الفارق موجود، لكنه ربما ليس بالحجم الذي نتخيله عندما نتحدث عن أحد أعظم الهدافين.
اللافت كان في مكان آخر:
رونالدو كان يسدد كثيراً، ويصل باستمرار إلى مواقف جيدة للتسجيل.
وهذه نقطة مهمة جداً عند تقييم اللاعبين.
قد نشاهد لاعباً يسجل هدفين ونقول إنه قدم مباراة رائعة، ونشاهد آخر لا يسجل فنقول إنه كان سيئاً.
لكن ربما الأول سجل من فرصة استثنائية منخفضة الاحتمال، بينما الثاني تحرك بشكل ممتاز ووصل مراراً إلى مناطق خطرة، لكن الكرة لم تدخل في ذلك اليوم.
الهدف حدث.
أما الوصول المستمر إلى المكان الصحيح فهو مهارة.
والفارق بين الاثنين مهم جداً لمن يعمل في اكتشاف المواهب وتطويرها.
بلجيكا والبرازيل… عندما يفوز الأقل احتمالاً
من أكثر أمثلة الفصل إثارة مباراة بلجيكا والبرازيل في كأس العالم ٢٠١٨.
الذاكرة تحتفظ بشيء بسيط:
بلجيكا فازت ٢-١ وأقصت البرازيل.
وهذا صحيح.
لكن تحليل جودة الفرص يرسم قصة مختلفة.
وفق النموذج الذي يستشهد به الكتاب، وبناءً على الفرص التي شهدتها المباراة، كان احتمال فوز بلجيكا في الوقت الأصلي نحو ٤٪ فقط.
بمعنى أنه لو تكررت مباراة بالفرص نفسها مرات كثيرة، لكانت البرازيل مرشحة للفوز في معظمها.
ومع ذلك…
فازت بلجيكا.
وهذه ليست مشكلة في كرة القدم.
هذه كرة القدم.
لو كانت النتيجة دائماً تذهب إلى الفريق الذي قدم الأداء الأفضل إحصائياً، لتحولت اللعبة إلى عملية حسابية مملة.
المصادفة، القائم، ارتداد الكرة، لحظة عبقرية، خطأ فردي… كلها جزء من جمال اللعبة.
المشكلة تبدأ عندما نأخذ نتيجة واحدة، ثم نبني عليها حكماً مطلقاً.
وهذا يعيدني إلى تقييم اللاعبين
بالنسبة لي، هذه ربما أهم فكرة في هذا الجزء من الكتاب.
لا أخشى فقط أن يفوتني لاعب جيد.
أخشى أن أحكم عليه للأسباب الخطأ.
مباراة سيئة لا تجعل اللاعب سيئاً.
هدف رائع لا يجعل اللاعب رائعاً.
بطولة ممتازة لا تكفي وحدها لإثبات المستوى.
وحتى سلسلة من النتائج قد تخدعنا إذا لم نسأل: كيف جاءت؟
العين مهمة.
الخبرة مهمة.
الحدس مهم.
لكن عقولنا ليست محايدة كما نحب أن نعتقد.
نتأثر بالنتيجة، وبالقصة التي نريد تصديقها، وبآخر شيء شاهدناه، وباللاعب الذي سجل، وبالفرصة التي ضاعت.
ولهذا لا أرى البيانات بديلاً عن الإنسان.
بل أراها أحياناً مرآة لانحيازاته.
ربما وظيفة البيانات في كرة القدم ليست أن تخبرنا ماذا نفكر.
بل أن تجبرنا، من وقت إلى آخر، على أن نسأل:
هل ما أراه حقيقة… أم أنني فقط أعرف النتيجة؟
صفوان عميرة
الحلقة الثانية من سلسلة قراءتي في كتاب «قراصنة كرة القدم» لكريستوف بيرمان