مقالات وتأملات

تحليل كرة القدم

قراصنة كرة القدم | الحلقة الثالثة

من سلسلة قراءتي في كتاب «قراصنة كرة القدم».

كم نسبة الحظ بكرة القدم؟

لماذا لا تعني النتيجة دائماً أن القرار كان صحيحاً؟

صفوان عميرة · ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦

اقرأ الحلقة الثانية: فاز… إذن كان على حق؟
كم نسبة الحظ بكرة القدم؟ — الحلقة الثالثة | قراصنة كرة القدم، كرة قريبة من خط المرمى في ملعب بإضاءة هادئة

هناك جملة نسمعها كثيراً في كرة القدم:

«في النهاية، النتيجة هي التي تتحدث.»

كنت أؤمن بهذه الجملة إلى حد كبير. وما زلت أعتقد أن النتائج مهمة؛ فهذه ليست لعبة تمنح النقاط لمن لعب أجمل أو حاول أكثر.

لكن كلما تعمقت في كرة القدم، سواء من خلال عملي أو من خلال القراءة، بدأت أرى مشكلة في هذه الفكرة.

النتيجة تخبرنا ماذا حدث.

لكنها لا تخبرنا دائماً لماذا حدث.

والفرق بين السؤالين أكبر مما يبدو.

في الحلقة السابقة تحدثت عن الانحيازات المعرفية، وكيف يمكن لعقولنا أن تبني حكماً ثم تبحث عما يؤكده. وفي هذا الفصل من كتاب «قراصنة كرة القدم» لكريستوف بيرمان، يأخذنا الكاتب إلى منطقة أكثر إزعاجاً:

ماذا لو كان جزء من الأشياء التي نفسرها يومياً في كرة القدم لا يحتاج إلى قصة معقدة أصلاً؟

ماذا لو كان الجواب أحياناً أبسط بكثير؟

الحظ.

كلوب ودورتموند… هل كان الفريق سيئاً فعلاً؟

في موسم ٢٠١٤–٢٠١٥ عاش بوروسيا دورتموند واحداً من أغرب مواسمه تحت قيادة يورغن كلوب.

الفريق الذي اعتاد المنافسة في القمة وجد نفسه في مرحلة من الموسم قريباً من قاع الدوري.

بالطريقة التقليدية في كرة القدم، تبدأ التفسيرات فوراً.

المدرب فقد تأثيره.

الفريق انتهى.

رحيل روبرت ليفاندوفسكي دمّر المنظومة.

اللاعبون لم يعودوا يستجيبون لكلوب.

ربما انتهت الدورة الطبيعية لهذا المشروع.

كل تفسير منها يبدو منطقياً.

وهذه بالضبط هي المشكلة.

نحن البشر بارعون جداً في اختراع قصة منطقية بعد أن نعرف النتيجة.

لكن عندما بدأ محللون ينظرون إلى مباريات دورتموند بطريقة مختلفة، ظهرت صورة أخرى.

الفريق كان يصنع فرصاً أفضل مما توحي به أهدافه، ويستقبل أهدافاً أكثر مما توحي به الفرص التي يمنحها للخصوم. أحد التحليلات الواردة في الكتاب قدّر أنه بدلاً من فارق أهداف سلبي بلغ ثمانية أهداف، كان الأداء الأساسي أقرب إلى فارق إيجابي بثمانية أهداف. وبحسب النقاط المتوقعة، كان من المفترض أن يكون الفريق أقرب إلى المراكز الأوروبية منه إلى معركة الهبوط.

بمعنى آخر:

ربما لم يكن دورتموند سيئاً كما قالت النتائج.

ربما كان سيئ الحظ أيضاً.

وهنا بدأت أتوقف عند السؤال الأكبر:

كم مرة نحكم على لاعب أو مدرب أو فريق من النتيجة، بينما نحن في الحقيقة نحكم على مزيج من الأداء والظروف والصدفة؟

ليست كل التسديدات متساوية

هنا تدخل واحدة من أهم الأدوات التي غيّرت تحليل كرة القدم الحديثة: الأهداف المتوقعة.

الفكرة في أساسها بسيطة جداً.

تسديدة من أمام المرمى ليست كتسديدة من ثلاثين متراً.

رأسية تحت ضغط ليست ككرة أمام مرمى مفتوح.

وتسديدة من زاوية ضيقة ليست كفرصة انفراد.

لذلك، بدلاً من أن نسأل فقط: كم هدفاً سجل الفريق؟

يمكن أن نسأل أيضاً:

ما جودة الفرص التي صنعها؟

النموذج يعطي كل محاولة قيمة احتمالية بحسب خصائصها، ثم يساعدنا على تكوين صورة أفضل عن جودة الفرص خلال المباراة أو عبر فترة أطول.

وهذا لا يعني أن الأهداف المتوقعة هي «الحقيقة» أو أنها تستطيع تفسير كرة القدم بالكامل.

هي نموذج.

والنموذج، مهما تطور، يبقى محاولة لتقريب واقع شديد التعقيد.

لكن أهميته بالنسبة لي ليست في الرقم نفسه.

أهميته أنه يجبرنا على الفصل بين الأداء والنتيجة.

وهذا فرق جوهري.

كرة القدم مثل الشطرنج… ولكن فيها نرد

من أجمل الأفكار التي وردت في الفصل وصف بيتر كراويتز، أحد رجال كلوب المقربين، لكرة القدم.

الفكرة باختصار:

كرة القدم تشبه الشطرنج… ولكن فيها نرد.

أحببت هذا الوصف كثيراً.

لأن كرة القدم بالتأكيد لعبة استراتيجية.

هناك تدريب وتكتيك واختيار لاعبين وتحليل خصم ولياقة وإعداد نفسي وآلاف القرارات الصغيرة.

لكن بعد كل ذلك…

ترتطم الكرة بالقائم.

تغير تسديدة اتجاهها بقدم مدافع.

ينزلق لاعب.

يخطئ حكم.

يتألق حارس بطريقة استثنائية.

يضيع مهاجم فرصة يسجلها في معظم الأيام.

وفي مباراة أخرى، تدخل كرة لم يكن صاحبها نفسه يتوقع دخولها.

كل هذا جزء من اللعبة.

والسبب في أن تأثير هذه التفاصيل كبير في كرة القدم تحديداً هو أن التسجيل فيها قليل نسبياً.

هدف واحد قد يقرر مباراة كاملة.

لذلك يمكن للحظ أن يكون أكثر تأثيراً مما نحب الاعتراف به.

كأس العالم: سنتيمترات تكتب التاريخ

الفصل يستخدم مباريات كأس العالم ٢٠١٨ بطريقة جميلة لشرح الفكرة.

عندما ننظر إلى المباراة بعد انتهائها، تبدو النتيجة حتمية تقريباً.

الفائز «استحق».

الخاسر «فشل».

لكن إذا عدنا إلى لحظات المباراة نفسها، نجد سلسلة من الاحتمالات.

إنجلترا أمام تونس احتاجت هدفاً متأخراً من هاري كين.

ثم أمام كولومبيا وصلت المباراة إلى ركلات الترجيح.

وأمام كرواتيا تقدمت إنجلترا مبكراً قبل أن تنقلب المباراة لاحقاً.

لو تغيرت واحدة من تلك اللحظات، لتغيرت القصة التي رويت عن المنتخب والمدرب واللاعبين.

وهذا ما يجعل كرة القدم قاسية وجميلة في الوقت نفسه.

نحن نرى التاريخ بعد أن كُتب، فننسى بسهولة أنه قبل دقائق فقط كان مجموعة من الاحتمالات.

أحياناً نمدح الحظ… ثم نهاجمه

قصة نيوكاسل في الكتاب ربما تكون أوضح مثال.

في موسم ٢٠١١–٢٠١٢ أنهى نيوكاسل الدوري الإنجليزي في المركز الخامس تحت قيادة آلان بارديو.

بدأت القصص الجميلة.

شجاعة المدرب.

كرة القدم الجذابة.

الاختيارات الناجحة.

المشروع الذكي.

في الموسم التالي، تراجع الفريق إلى المركز السادس عشر.

فتغيرت القصة.

أصبح الأسلوب متهوراً.

الفريق يفتقد الخبرة.

والمدرب الذي كانت قراراته شجاعة أصبح موضع انتقاد.

المثير أن المؤشرات المتعلقة بجودة الفرص التي صنعها الفريق واستقبلها لم تكن مختلفة بالقدر الذي يوحي به الفارق الهائل في النتائج.

وهنا يظهر شيء أراه باستمرار في كرة القدم:

نحن لا نغيّر تقييمنا للنتيجة فقط، بل نعيد كتابة قصة الأداء حتى تناسب النتيجة.

عندما يفوز الفريق، نبحث عن الحكمة.

وعندما يخسر، نبحث عن الخطأ.

حتى عندما يكون الفارق بين الحالتين أحياناً كرة ارتطمت بالقائم ودخلت… وأخرى ارتطمت بالقائم وخرجت.

وهذا ينطبق على اللاعبين أيضاً

أثناء قراءتي لهذا الفصل، كنت أفكر في عملي مع اللاعبين.

لأن المشكلة نفسها تحدث عند تقييم اللاعب.

مهاجم يسجل ثلاثة أهداف خلال ثلاث مباريات، وفجأة يبدأ الجميع بالحديث عنه.

مهاجم آخر يتحرك جيداً، يصل إلى الأماكن الصحيحة، يخلق الفرص، يساعد فريقه… لكن الكرة لا تدخل.

بعد شهر، الأول يصبح «هدافاً بالفطرة».

والثاني «يفتقد اللمسة الأخيرة».

قد يكون الحكم صحيحاً.

لكن ليس بالضرورة.

وفي الفئات العمرية يصبح الأمر أخطر.

كشاف يشاهد لاعباً مرة واحدة.

وكيل يشاهد فيديو لدقائق معدودة.

مدرب يختبر لاعباً يومين أو ثلاثة.

وفي هذه النافذة الصغيرة جداً نحاول اتخاذ قرار قد يؤثر في سنوات من حياة اللاعب.

قد يصل اللاعب إلى التجربة مرهقاً من السفر.

قد يلعب في مركز غير مركزه.

قد لا تصله الكرة.

قد يرتكب خطأً واحداً في اللحظة التي ينظر فيها الكشاف إليه.

وقد يحدث العكس تماماً.

ربما يسجل هدفاً استثنائياً من فرصة لا تتكرر، ويخرج الجميع مقتنعين بأنهم شاهدوا شيئاً أكبر مما شاهدوه فعلاً.

لهذا أعتقد أن أحد أهم الأسئلة في تقييم المواهب ليس:

ماذا فعل اللاعب؟

بل:

هل ما شاهدته قابل للتكرار؟

الحظ لا يلغي الجودة

وهنا يجب أن نكون حذرين.

الاعتراف بدور الحظ لا يعني أن كل شيء عشوائي.

ولا يعني أن التدريب والتحليل والموهبة بلا قيمة.

بالعكس تماماً.

الفريق الأفضل يستطيع أن يصنع فرصاً أكثر وأفضل.

المهاجم الأفضل يستطيع أن يضع نفسه في أماكن أفضل.

المدرب الأفضل يستطيع أن يرفع احتمالات نجاح فريقه.

والإدارة الأفضل تستطيع بناء منظومة تجعل القرارات الجيدة تتكرر.

لكن زيادة احتمال النجاح ليست ضماناً للنجاح.

وهذه نقطة أعتقد أننا نخلط بينها كثيراً.

يمكن أن تتخذ قراراً ممتازاً وتخسر.

ويمكن أن تتخذ قراراً سيئاً وتفوز.

إذا حكمنا على جودة القرار من النتيجة وحدها، سنتعلم أحياناً الدرس الخطأ.

وهذا لا ينطبق على كرة القدم فقط.

ينطبق على الإدارة، والاستثمار، والتوظيف، وحتى القرارات التي نتخذها في حياتنا.

وربما كلوب نفسه أفضل مثال

أكثر قصة أثرت فيّ في الفصل جاءت قرب النهاية.

عندما كان ليفربول يفكر في تعيين يورغن كلوب، كان هناك سؤال منطقي جداً:

إذا كان هذا المدرب ممتازاً إلى هذا الحد، فماذا حدث لدورتموند في موسمه الأخير؟

إيان غراهام، الذي كان يقود قسم الأبحاث في ليفربول، درس أرقام دورتموند.

والنتيجة التي وصل إليها فريق التحليل كانت مهمة جداً:

المشكلة لم تكن بالضرورة انهياراً في عمل كلوب أو فريقه.

الأداء الأساسي كان أقوى بكثير مما توحي به النتائج.

غراهام قال لاحقاً إن التحليل الإحصائي أعطاهم جواباً واضحاً على السؤال الاستراتيجي الذي كان يهم ليفربول: هل هناك مشكلة حقيقية في دورتموند تجعل تعيين كلوب مخاطرة؟

وكان جواب البيانات: لا.

وبعد تعيين كلوب، عرض غراهام عليه تحليله للمباريات.

كان كلوب ينظر إلى الأرقام ويتذكر ما حدث داخل الملعب، إلى درجة أنه اعتقد أن غراهام شاهد المباريات.

لكنه لم يكن قد شاهدها.

كان يقرأها من البيانات.

بالنسبة لي، هذه ليست قصة عن الأهداف المتوقعة.

وليست حتى قصة عن كلوب.

إنها قصة عن صناعة القرار.

ليفربول لم يسأل فقط:

ماذا حدث لدورتموند؟

بل حاول أن يسأل:

لماذا حدث؟

وهل الأسباب التي أدت إلى النتيجة قابلة للاستمرار؟

هذا سؤال مختلف تماماً.

ومن المثير أن إيان غراهام نفسه عاد لاحقاً للحديث علناً عن تقييم دورتموند بتلك الطريقة، موضحاً أن تحليل الأداء الأساسي جعل كلوب في صدارة مرشحي ليفربول رغم الصورة السلبية التي كانت تحيط بموسمه الأخير في ألمانيا.

الدرس الذي خرجت به

في كرة القدم، نحن نحب اليقين.

نريد أن نقول:

هذا المدرب عبقري.

هذا اللاعب فاشل.

هذا التعاقد ممتاز.

هذا القرار كارثي.

لكن كرة القدم لا تمنحنا هذا النوع من اليقين بسهولة.

هناك مهارة.

هناك عمل.

هناك قرارات جيدة وسيئة.

وهناك أيضاً إصابات، وحكام، وارتدادات، وقوائم، وظروف، وعينات صغيرة، ولحظات لا تتكرر.

وهناك حظ.

الاحتراف بالنسبة لي لا يعني أن نحاول إنكار هذه الحقيقة.

بل أن نتعلم كيف نتخذ قرارات جيدة رغم وجودها.

أن نسأل عن العملية، لا النتيجة فقط.

أن نبحث عما يمكن تكراره.

وأن نكون أكثر تواضعاً عندما نحاول تفسير النجاح والفشل.

ربما لهذا أصبحت أكثر حذراً عندما أسمع بعد مباراة واحدة:

«هذا المدرب لا يفهم.»

أو:

«هذا اللاعب سيكون نجماً.»

قد يكون الحكم صحيحاً.

لكن هل لدينا ما يكفي من الأدلة؟

في النهاية، ربما المشكلة ليست أن للحظ مكاناً في كرة القدم.

المشكلة تبدأ عندما ننسب للحكمة كل نجاح… وللغباء كل فشل.

وهذه، بالنسبة لي، واحدة من أهم الأفكار التي يمكن أن نتعلمها من عالم البيانات في كرة القدم.

صفوان عميرة

الحلقة الثالثة من سلسلة قراءتي في كتاب «قراصنة كرة القدم» لكريستوف بيرمان

من سلسلة: كرة القدم بعين أخرى