مقالات وتأملات

تحليل كرة القدم

كرة القدم بعين أخرى | الحلقة الأولى

هل نعرف فعلاً ما نراه في كرة القدم؟

من الرأي إلى المعرفة… ولماذا لا تكفي الأرقام وحدها؟

صفوان عميرة · ١ أكتوبر ٢٠٢٦

من أكثر الأشياء التي أحبها في كرة القدم أنها تمنحنا جميعاً شعوراً بأننا نفهمها.

نشاهد مباراة، فنحكم على المدرب. نرى لاعباً لعشرين دقيقة، فنقرر إن كان موهوباً أم لا. يخسر فريق ثلاث مباريات، فنعلن أن المشروع فشل. يسجل مهاجم هدفين، فنبدأ الحديث عن مستقبله.

والأغرب أننا نقول كل ذلك غالباً بثقة كبيرة.

لكن ماذا لو كانت المشكلة في كرة القدم ليست في قلة المعلومات التي نملكها، بل في ثقتنا الزائدة بالطريقة التي نفسر بها هذه المعلومات؟

هذا السؤال بقي في ذهني وأنا أقرأ مقدمة كتاب «قراصنة كرة القدم» للكاتب الألماني كريستوف بيرمان.

أن تعرف عقلك… يعني أن تشك فيه أحياناً

في مقدمة الكتاب، يستحضر رافائيل هونيغشتاين قصة داريل موري، الذي عُرف بعمله الإداري مع هيوستن روكتس في كرة السلة الأمريكية، وفكرته عن صعوبة الوصول إلى اليقين عند اتخاذ القرارات.

الفكرة التي شدتني لم تكن رياضية بقدر ما كانت إنسانية:

كلما فهمت الطريقة التي يعمل بها عقلك، أصبحت أكثر إدراكاً للأسباب التي تجعلك لا تثق بحكمك الأول دائماً.

وهنا فكرت في كرة القدم.

كم مرة شاهدنا لاعباً وقلنا فوراً: «هذا لاعب»؟

وكم مرة قلنا العكس؟

كم مرة بنينا حكماً على هدف، لقطة، مباراة واحدة، اسم النادي الذي يلعب له اللاعب، بنيته الجسدية، أو حتى الطريقة التي يتحرك بها داخل الملعب؟

المشكلة أن العين لا تكذب بالضرورة، لكنها لا ترى كل شيء.

العين تخبرنا بما رأيناه، وليس بالضرورة بكل ما حدث.

عندما لم تكن النتيجة 3–1 فقط

يبدأ بيرمان رحلته من ويمبلي عام 2011.

برشلونة بيب غوارديولا يواجه مانشستر يونايتد بقيادة السير أليكس فيرغسون في نهائي دوري أبطال أوروبا.

انتهت المباراة بثلاثة أهداف مقابل هدف.

لكن النتيجة، بالنسبة لبيرمان، لم تكن القصة.

كان يشاهد فريقاً وصل فيه التنظيم الجماعي إلى درجة سمحت للموهبة الفردية بأن تظهر بصورة أكثر جمالاً، لا أقل.

ليونيل ميسي كان استثنائياً، بالتأكيد. لكن ما أثار إعجاب بيرمان كان شيئاً أكبر من ميسي نفسه: كيف يستطيع النظام أن يصنع البيئة التي تسمح للعبقرية بالظهور؟

وهنا تبدأ مشكلة القياس.

كيف تقيس ذلك؟

عدد التمريرات؟

نسبة الاستحواذ؟

المسافة المقطوعة؟

التسديدات؟

كلها تخبرنا شيئاً.

لكن أياً منها، منفرداً، لا يخبرنا القصة.

الرقم ليس الحقيقة

هذه ربما كانت أكثر نقطة أثارت اهتمامي في مقدمة الكتاب.

يعترف بيرمان بأنه كتب قبل سنوات أن كرة القدم أصبحت «لعبة أرقام».

ثم اكتشف أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.

كانت كرة القدم بالفعل تنتج كميات متزايدة من البيانات. كل تسديدة تُسجل، وكل تمريرة تُحسب، وكل انطلاقة يمكن قياسها.

لكن كانت هناك مشكلة:

الأرقام والمباراة لم يكونا دائماً الشيء نفسه.

وهذا تمييز مهم جداً.

لأننا انتقلنا في السنوات الأخيرة من مشكلة نقص البيانات إلى خطر معاكس تماماً: الانبهار بالبيانات.

أن تخبرني أن لاعباً أكمل 91% من تمريراته لا يعني أنك أخبرتني إن كان لاعباً جيداً.

أريد أن أعرف أين استلم الكرة.

تحت أي ضغط؟

إلى أين مرّرها؟

ما الخيارات التي كانت أمامه؟

هل مرّر دائماً إلى الخيار الآمن؟

هل كسر خطوط المنافس؟

هل كانت قراراته تساعد فريقه على التقدم؟

وهل فعل ذلك عندما كانت المباراة تحت الضغط أم عندما كان فريقه متقدماً بثلاثة أهداف؟

الرقم بلا سياق قد يتحول ببساطة إلى رأي آخر… لكنه يبدو أكثر علمية.

لهذا السبب تهمني أيسلندا أكثر من برشلونة

يتحدث بيرمان أيضاً عن تجربة مختلفة تماماً.

ذهب إلى أيسلندا والتقى هايمير هالغريمسون، مدرب المنتخب آنذاك.

لم يكن الرجل يعمل في البيئة التي يعمل فيها غوارديولا. لم تكن لديه الموارد نفسها، ولا اللاعبون أنفسهم، ولا البنية نفسها.

بل كان لا يزال يعمل طبيب أسنان إلى جانب عمله الكروي.

لكن بيرمان لاحظ شيئاً أراه مهماً جداً:

هالغريمسون كان يعرف كيف يتعامل مع الندرة.

كان يبحث عن أصغر أفضلية يمكن أن يحصل عليها فريقه.

وهنا، بالنسبة لي، تصبح قصة البيانات أكثر إثارة للاهتمام.

لأن برشلونة يستطيع شراء التكنولوجيا.

والأندية الكبرى تستطيع توظيف علماء البيانات والمحللين وبناء أقسام كاملة للأداء والاستكشاف.

لكن ماذا عن النادي الصغير؟

ماذا عن الأكاديمية محدودة الموارد؟

ماذا عن اللاعب القادم من سوق كروي لا يحظى بالتغطية الكافية؟

ماذا عن كرة القدم في منطقتنا؟

نحن لا نحتاج ميزانية مانشستر سيتي كي نفكر بشكل أفضل

ربما لن تستطيع أندية كثيرة في منطقتنا بناء أقسام تحليل تضاهي أكبر أندية أوروبا.

لكنها تستطيع أن تبدأ بشيء أرخص بكثير:

أن تحسن طريقة اتخاذ القرار.

النادي محدود الميزانية يحتاج إلى اتخاذ قرارات أفضل، لا أقل.

والأكاديمية التي لا تستطيع استبدال عشرة لاعبين كل موسم تحتاج إلى أن تصبح أفضل في تقييم اللاعبين الموجودين لديها.

والكشاف الذي يعمل في سوق محدود التغطية يحتاج إلى أن يعرف الفرق بين ما شاهده فعلاً وما يعتقد أنه شاهده.

والوكيل أو مدير المواهب يحتاج إلى أن يسأل نفسه أحياناً السؤال ذاته:

هل أنا مقتنع بهذا اللاعب بسبب الأدلة الموجودة أمامي، أم لأنني كوّنت انطباعاً مبكراً ثم بدأت أبحث، دون أن أشعر، عما يؤكد ذلك الانطباع؟

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى حاسوب خارق.

تحتاج أولاً إلى قدر من التواضع الفكري.

البيانات لا تلغي العين

وهنا من المهم ألا نقع في الطرف الآخر.

أنا لا أعتقد أن مستقبل كرة القدم هو أن نجلس أمام جداول الأرقام ونختار اللاعبين كما نختار الأسهم.

هناك أشياء يصعب اختزالها في رقم.

الشخصية.

القدرة على التعلم.

التعامل مع الضغط.

البيئة الأسرية.

القدرة على التأقلم مع بلد جديد.

ردة فعل اللاعب عندما يجلس على مقاعد البدلاء.

وحتى فهم ما يحدث داخل المباراة يحتاج أحياناً إلى عين خبيرة تعرف لماذا حدث الشيء، لا أن تسجل فقط أنه حدث.

لذلك لا أرى المعركة بين «العين» و«البيانات» أصلاً.

أراها معركة بين القرار الجيد والقرار السيئ.

والعين والبيانات أداتان لتحسين القرار، وليستا غاية بحد ذاتهما.

من الآراء إلى المعرفة

كتب بيرمان قبل سنوات عن أمله في أن تساعد البيانات على نقل كرة القدم من لعبة تقوم على الآراء إلى لعبة تقوم بدرجة أكبر على المعرفة.

لكن أكثر ما يعجبني في فكرته أنه لا يقدم البيانات باعتبارها آلة تنتج الحقيقة.

بل باعتبارها وسيلة تساعدنا على طرح أسئلة أفضل.

وهذا فرق كبير.

قد تخبرك البيانات أن مهاجماً لا يسجل كثيراً.

السؤال الأفضل ليس: هل هو مهاجم سيئ؟

بل: لماذا لا يسجل؟

هل لا يحصل على الفرص؟

هل يتحرك بشكل سيئ؟

هل جودة الفرص منخفضة؟

هل ينهي الفرص بصورة سيئة؟

أم أن دوره التكتيكي أصلاً مختلف عما نفترضه؟

السؤال الجيد قد يكون أحياناً أكثر قيمة من الإجابة السريعة.

وهنا تبدأ هذه السلسلة

لن تكون هذه السلسلة محاولة لتحويل كرة القدم إلى معادلات.

ولن تكون تلخيصاً لكتاب «قراصنة كرة القدم».

الكتاب سيكون نقطة انطلاق.

سنأخذ فكرة، أو قصة، أو سؤالاً، ثم نحاول أن نرى أين وصلت كرة القدم اليوم، وماذا تقول البيانات والأبحاث، والأهم: ماذا يعني ذلك للاعب والمدرب والكشاف والوكيل والنادي في واقعنا؟

وسأحاول أن ألتزم فيها بمبدأ واحد:

ألا أبحث عن الأرقام التي تثبت ما أعتقده مسبقاً، بل عن المعلومات التي قد تجبرني أحياناً على تغيير ما أعتقده.

لأن مستقبل كرة القدم، كما يوحي بيرمان، لن يكون بالضرورة لمن يمتلك أكبر كمية من البيانات.

بل لمن يستطيع الوصول إلى أفضل الاستنتاجات من المعلومات المتاحة أمامه.

وأضيف عليها شيئاً:

قد لا تبدأ الثورة الحقيقية عندما نستطيع قياس كل شيء في كرة القدم.

ربما تبدأ عندما نمتلك الشجاعة، بعد كل ما شاهدناه وكل ما نعتقد أننا نعرفه، لأن نسأل أنفسنا:

ماذا لو كان حكمي الأول خاطئاً؟

صفوان عميرة

وكيل كرة قدم مرخص من الاتحاد الدولي لكرة القدم

من سلسلة: كرة القدم بعين أخرى